المنجي بوسنينة
809
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
التالوتي . وكذلك محمد بن عبد الكريم المغيلي الذي هز الحياة العلمية في وقته وحرك العلماء فجعلهم بين مؤيد ومعارض له في إعلانه الحرب على اليهود في بلدة توات واستنصاره عليهم ببعض أمراء إفريقيا ( محمد أسقيا صاحب مملكة سونغاي ) بدل أمراء بلاده الذين خذلوه في حملته ، كما تتلمذ على الثعالبي عالم تلمساني آخر هو محمد بن مرزوق الكفيف . وهناك طالب آخر جاءه من بسكرة هذه المرة وهو عيسى بن سلامة البسكري الذي سار على نهج شيخه في الورع والزهد . أما تلاميذ الثعالبي من المغرب والمشرق فلا نعرف منهم الآن سوى اثنين وهما : أحمد زروق البرنوسي الذي جاء من المغرب والذي أصبح له شأن في الزهد والتصوف السلفي ، وعبد الباسط بن خليل الذي جاء من مصر إلى الجزائر في حياة الثعالبي وحصل منه على الإجازة وسجل ذلك في رحلته المعروفة باسم « الزهر الباسم في حوادث العمر والتراجم » . وهكذا يكون الثعالبي قد ترك بصماته على العصر بهؤلاء التلاميذ الذين حذوا حذوه في التقوى والعلم والرحلة والجهاد . وتتجه الدراسات القديمة إلى نسبة الكرامات والبركات إلى الشيخ الثعالبي ، فهي تجعل منه وليا من أولياء الله الصالحين ، وزاهدا بلغ أعلى الدرجات في الورع والتقوى ، ورغم أنه لم يؤسس طريقة ولم ينشئ زاوية ، فإن كتّاب سيرته يكادون يجعلون منه شيخا من شيوخ الطرق والزوايا . ولا شك أن ظهور الثعالبي في وقت ضعف السلطة الإسلامية وتخلف المجتمع وشيوع البدع وتحارب الدويلات الإسلامية المتجاورة في بلاد المغرب ( وهي المرينية ، والحفصية ، والزيانية ) والأطماع الخارجية المتمثلة في الخطر الإسباني والبرتغالي ، كل ذلك جعل الناس يبحثون عن منقذ يعيد الأمور إلى نصابها ويبشر المتقين والشهداء بالجنة ، ويتوعد العصاة والمتخاذلين بالنار ؛ ولذلك ألصقوا بالثعالبي صفات هذا المنقذ بوسائل المنامات والكرامات ونزعوا عنه ، أو كادوا ، صفات العلم والعمل بأوامر الدين ونواهيه ، بما في ذلك العمل الميداني كالحرب والسياسة . ولكننا وجدنا الثعالبي ينشط أيضا في ميدان المقاومة للخطر الخارجي ، وربما كان هو يعتبر هذا النشاط من الواجبات الإسلامية . فقد دعا إلى الجهاد ضد بني الأصفر ( الروم ) الذين أصيبوا في مقتلهم - كما قال - بضياع القسطنطينية من أيديهم فأرادوا الانتقام من المسلمين في بلاد المغرب باحتلال سواحلهم والاستيلاء على مدنهم وسبي نسائهم وذريتهم ونهب أملاكهم ، كما حدث فعلا في عهد الثعالبي نفسه ، ثم توالى بعده حتى أصبح ساحل المغرب الإسلامي كله تقريبا تحت سيطرة الإسبانيين والبرتغاليين . فقد وصلت الأخبار إلى الثعالبي أن بجاية ، التي درس فيها ومكث فيها طويلا ، أصبحت معرضة لغارات إسبانية ، فنصح أهلها ، وعلماءها على الخصوص ، بالاستعداد للعدو ، كما فعل مع سكان مدينة الجزائر وما حولها ، وأعطاهم درسا عمليا في كيفية توفير السلاح والعدة لمواجهة هذا الخطر ، في رسالة بعث بها إلى الشيخ محمد الكفيف ، أحد متعلمي بجاية . وكان الثعالبي متألما في هذه الرسالة من واقع الحال بالجزائر وبجاية إذ لا توجد عندئذ